” أعمل سائق باص وعندما بدأت الحرب وفي أول ضرب للطيران في مارس 2015على مقر القصر الجمهوري القريب من منطقتنا شرقي مدينة تعز ، تركنا منزلنا في حي الجحملية ونزحنا إلى الريف ضناً منا أن الحرب لن تصل إلينا هناك ولكنها لحقت بنا وشردتنا أكثر مما كنا نتوقعه ، هجمت جماعة الحوثي على القرية وكان لديهم كشف بأسماء الأشخاص الذين يعتقدون أنهم في صفوف المقاومة وكنتُ أحد هؤلاء ليتم الهجوم على منزل أمي في قرية تُبيشعة وتهديدهم بإحراق المنزل إن لم تخرجني أمي إليهم وكسروا باصي وأيضاً دراجتي النارية وعندما حاولت العودة إلى منزلي في الجحملية وبعد محاولات عدة وصلت إليه ووجدته مجرد هيكل قد تم نهب محتوياته تماماً حتى أبواب ونوافذ المنزل ، كان المنزل والباص هما ما يشعراني بالأمان على أسرتي وتوفير قوتهم اليومي الآن لم يعد بحوزتي شيء غير التشرد وأطفال يحاولون العيش فقط ولا حول لهم ولا قوة ”

هكذا تحدث بديع حمود (41)عاماً ،أب لسبعة أطفال ، وقصة نزوح وترحال متواصل من الموت الذي خلفه النزاع المسلح في مدينة تعز إلى الريف حيث حاولت الأسرة اللجوء، نزحت الأسرة في بداية النزاع المسلح من منزلها الكائن في حي الجحملية شرق مدينة تعز إلى قرية تبيشعة الواقعة في مديرية جبل حبشي غربي مدينة تعز اليمنية لتصبح قرية تُبيشعة عرضة للنزوح والتهجير القسري لتنل أسرة بديع القسط الأكبر من التشرد والمعاناة التي طالهم بعضٌ منها في البدايات الأولى للحرب.

في إحدى مدارس مدينة تعز – حيث اُتخذت ملاذاً للمهجرين قسراً من قرى تُبيشعة – تحديداً في حي الدحي قابل فريق رصد أفراد الأسرة ، تحدث إلينا بديع آنفاً بينما زوجته استرسلت في سرد قصتهم قائلة :
” نزحنا من الجحملية أثناء الحرب إلى قرية (تُبيشعة) في جبل حبشي وفي تُبيشعة هجموا علينا الحوثة وكانوا يصيحوا خرجوا الجهال وأبوهم وكانت جدتهم تصيح وتبكي وتخبي الجهال بين العجور(محاصيل الزرع بعد الحصاد تُجمّع في اسطبل المنزل) وكانت تقول لهم أبوهم قد خرج مفيش حد بالبيت غير نسوان حوامل وامي عثيرة عجوز وهم قالوا والله لو طلع هذا الكلام كذب لنحرق لك البيت كله وبعدين قلعوا الباب قلع بالحديدة ودخلوا إلى البيت عشرة والبقية خارج وهي تقصدهم وتبوسهم يخرجوا وبعدين دوخت من الفجيعة ونزحنا هروباً في ساعات الفجر”.

هذا وفي حديثنا مع الطفلة تونس بديع (12)عاماً قالت وهي تحاول تجميع مافرقه الخوف من صوتها:
” خرجونا من بيوتنا ومخلونا ندرس وخرجنا واحنا خائفين والرصاص من فوقنا وبعدين جدتي دوخت وهم قالوا بنترك لكم ساعة بس وتمشوا وإلاَّ بنفجر البيت ومشينا ونحن نقول لهم هذه مش بيتنا هذه حق واحد تركها أمانة عندنا عشان ما يفجروها وهم مارضوش يصدقونا “.

وفي ختام لقاءنا بالأسرة تحدث عبدالرحمن بديع (13)عاماً قائلاً بحرقة طفل في مقتبل العمرلا يجيد ترتيب ذاك الحشد من المآسي المتزاحمة في ذاكرته:
” لما هجموا الحوثة جاءوا هددوا القرية وقالوا ننزح وكسروا الباص حق أبي وسرقوا الموتورات(دراجات نارية) وعملوا الغام وبعدين فجروا بالبيوت وفجروا بيت عمي ياسين حمود هزاع ، وكانوا يشتوا يحرقوا البيت حقنا وإلا ننزح واحنا نزحنا الضباب ، وماخلونا نختبر كانوا يرموا بالرصاص وانصاب علينا محمد الحاكم في الرجل ومحمد حسان مزارع في الوادي وواحد مسكين .. أمه مافي معاها غيره قالوا داعشي و اخذوه وقتلوه وهو مسكين مامعه غير حمار يطلب الله ويحمل المقاضي لبيتهم “.

هذا هو حال المدنيين في ظل النزاعات المسلحة ، نزوح ، ومن ثم تهجير وتشريد ، وهذه الأسرة ماهي إلا واحدة من إجمالي (357) أسرة رصدها الفريق تم تهجيرها قسراً من قرية تُبيشعة لتصبح تحت نيران النزاع المسلح دون إحترام لقواعد الحرب التي تٌجرم إستهداف المدنيين.